محمد بيومي مهران

172

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفىّ به ، ثم إن البشارة بإسحاق كانت معجزة ، لأن العجوز عقيم ، وأنها كانت مشتركة بين إبراهيم وامرأته ، بينما البشارة بالذبيح فقد كانت لإبراهيم ، ثم امتحانا له ، دون الأم المبشرة به « 1 » . أضف إلى ذلك أن اللّه سبحانه وتعالى يقول « وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ » « 2 » ، فكيف يأمره اللّه بذبحه ، وقد وعده أن يكون نبيا « 3 » ، ثم إن البشارة بإسحاق إنما كانت مقرونة بولادة يعقوب منه ، فلا يناسبها الأمر بذبحه مراهقا « 4 » ، ومن هنا استدل محمد بن كعب القرظي على أنه إسماعيل ، وليس إسحاقا ، حيث يقول سبحانه وتعالى « فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ » « 5 » ، فكيف تقع البشارة بإسحاق ، وأنه سيولد له يعقوب ، ثم يؤمر بذبح إسحاق ، وهو صغير قبل أن يولد له ، هذا لا يكون لأنه يناقض البشارة المتقدمة ، وهناك ما روي من أن عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي ، سأل رجلا من علماء اليهود ، كان قد أسلم وحسن إسلامه : أي ابنيّ إبراهيم أمر بذبحه ؟ فقال إسماعيل واللّه يا أمير المؤمنين ، وإن يهود لتعلم ذلك ، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر اللّه فيه ، والفضل الذي ذكره اللّه منه لصبره لما أمر به ، فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه

--> ( 1 ) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية 4 / 331 - 335 ، وانظر : روح المعاني 23 / 134 تفسير الطبري 23 / 85 ( 2 ) سورة الصافات : آية 112 ( 3 ) تفسير القرطبي ص 5545 ( طبعة الشعب ) ( 4 ) روح المعاني 23 / 134 ، تاريخ الخميس ص 108 ( 5 ) سورة هود : آية 71 ، وانظر : تفسير الطبري 15 / 389 - 397 ( دار المعارف - القاهرة 1960 )